
آخر تحديث: 16 أكتوبر 2026
تتصدر أحداث تعز المشهد اليمني هذه الأيام، بعدما تحولت المدينة الواقعة في جنوب غرب البلاد إلى أهم جبهات الحرب المتجددة. فمع تشديد جماعة الحوثي الحصار على المدينة وقطع الطريق الرئيس المؤدي إلى عدن، تتزايد المخاوف من كارثة إنسانية تهدد مئات الآلاف من السكان. في هذا التقرير نرصد أبرز المستجدات ونضعها في سياقها.
تعز: لماذا تحتفظ المدينة بهذه الأهمية؟
تُعد تعز ثالث أكبر مدن اليمن، ويقطنها نحو 600 ألف نسمة، بينما يعيش في المناطق الخاضعة للحكومة في المحافظة نحو 2.8 مليون شخص، بحسب تقديرات محلية. وتتميز المدينة بثقلها السكاني وتاريخها الثقافي، وبكونها منذ سنوات طويلة من أكثر المناطق عداءً للحوثيين. وقد عاشت حصاراً قاسياً بين عامي 2015 و2016، ثم بقيت خطوط التماس تحيط بها لسنوات. وفي عام 2024 وافق الحوثيون تحت ضغوط محلية ودولية على إعادة فتح طريق شرقي يربطها بصنعاء والمناطق الشمالية، وهو ما خفف جزءاً من العزلة آنذاك.
كيف تصاعدت الأحداث؟
بدأ التصعيد الأخير مطلع سبتمبر الماضي حين شنّ الحوثيون هجوماً على امتداد الساحل الغربي لمحافظة تعز المطل على البحر الأحمر. ومع تقدمهم، سيطروا على الطريق الحيوي الذي يربط المدينة بعدن، فأُحكم الطوق حولها من الاتجاه الغربي والجنوبي. وتقول القوات الحكومية إنها تخوض اشتباكات عنيفة على خمس جبهات حول أطراف المدينة، إضافة إلى مناطق أخرى في غرب المحافظة وجنوبها، وسط دعم جوي سعودي يستهدف مواقع ومركبات ومنصات إطلاق تابعة للحوثيين. كما أفادت تقارير بانضمام أبناء المدينة إلى القوات الحكومية في صدّ الهجمات على الأطراف.
وفي أحدث التطورات، دعت جماعة الحوثي القوات الحكومية في تعز إلى إلقاء السلاح وتجنب “حرب الشوارع”، في إشارة إلى أنها تعتبر المدينة هدفها التالي. وفي المقابل، تؤكد الحكومة والقوات المتحالفة معها تمسكها بكسر الحصار، ويدّعي كل طرف إحراز تقدم في بعض الجبهات، وهي ادعاءات يصعب التحقق منها بشكل مستقل.
القصف والخسائر المدنية
تتحدث الجهات الحكومية عن قصف يطال أحياء سكنية داخل المدينة، وعن سقوط عشرات الضحايا المدنيين خلال الأيام الأخيرة، بينهم أطفال. كما وصلت المواجهات إلى أحياء حضرية قريبة من مستشفيات الإحالة الرئيسية، مما يزيد من خطورة الوضع على المرضى والطواقم الطبية.
الوضع الإنساني: نقص حاد في الغذاء والوقود والدواء
يمثل الجانب الإنساني أكثر ما يثير القلق. فقد حذرت وزارة الصحة العامة والسكان في الحكومة اليمنية من “كارثة صحية وإنسانية وشيكة”، مشيرة إلى أن الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية والوقود في المنشآت الصحية تقترب من النفاد. ويعاني السكان من ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتظهر طوابير طويلة للحصول على أسطوانات الغاز المنزلي وأكياس الدقيق في الأسواق.
وبحسب برنامج الأغذية العالمي، فإن نحو 800 ألف شخص في أنحاء اليمن باتوا خارج نطاق وصول المساعدات بسبب القتال، من بينهم 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية. كما نزح نحو 200 ألف شخص حديثاً بفعل المعارك على الساحل والأرياف، وتقول الجهات المحلية إن بعض الأسر لجأت إلى المدارس بحثاً عن مأوى.
تحرك حكومي ومواقف دولية
بعثت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة برسالة إلى مسؤولين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، حذرت فيها من أن تشديد الحصار على تعز وقراها قد يتسبب في كارثة تطال أكثر من أربعة ملايين شخص. وفي الوقت نفسه دعا الاتحاد الأوروبي الحوثيين إلى رفع الحصار. وفي كلمة بمناسبة ثورة 14 أكتوبر، وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي رسالة إلى أهالي تعز تعهد فيها بمواصلة الجهود لكسر الحصار.
الامتداد الإقليمي للمعركة
لا يمكن فصل أحداث تعز عن السياق الإقليمي الأوسع، فالحرب اليمنية المتجددة تُعد ساحة جديدة ضمن صراع إقليمي بدأ مع الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي. وقد أعلن العليمي عن عملية “فجر اليمن” التي قال إنها تهدف إلى استعادة كل المناطق التي لا تزال بيد الحوثيين بما فيها صنعاء، وتحدثت تقارير عن تقدم للقوات الحكومية في محافظة مأرب بالتزامن مع التصعيد في تعز.
وفي موازاة ذلك، أعلنت الحكومة أن الحوثيين أطلقوا صواريخ على مجمع القصر الرئاسي في عدن الخميس، ما أودى بحياة خمسة أشخاص، فيما سجّل التحالف بقيادة السعودية عشرات الهجمات الحوثية على منشآت سعودية خلال الأسابيع الأخيرة. وتوحي هذه التطورات بأن الصراع مرشح للاستمرار وأن معاناة المدنيين قد تطول.
ما الذي ينتظر تعز؟
تتجه الأنظار إلى عدة عوامل ستحدد مسار الأحداث في الأسابيع المقبلة:
- الطرق والإمدادات: هل ينجح أي طرف في إعادة فتح ممر آمن للغذاء والدواء والوقود؟
- المعارك الحضرية: أي دخول للقتال إلى قلب المدينة سيرفع الكلفة البشرية بشكل كبير.
- الدعم الإقليمي: حجم الإسناد الجوي واللوجستي وتأثيره على موازين الجبهات.
- الضغط الدولي: قدرة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على فرض ممرات إنسانية.
خلاصة
تقف تعز اليوم عند مفترق حاسم، فهي مدينة محاصرة تعاني نقصاً متزايداً في الأساسيات، وساحة قتال تتقاطع فيها حسابات محلية وإقليمية. وبينما يتمسك كل طرف بروايته ويعلن عزمه على الحسم، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، ويبقى الأمل معلقاً بفتح ممرات إنسانية آمنة وتهدئة تتيح وصول المساعدات.
أسئلة شائعة حول أحداث تعز
لماذا تُعد تعز مهمة في الحرب اليمنية؟
لأنها من أكبر المدن اليمنية سكاناً، وتمثل موقعاً استراتيجياً يربط الجنوب بالشمال والساحل الغربي، وظلت لسنوات خط تماس رئيسياً.
ما أبرز أزمات السكان حالياً؟
نقص الغذاء والوقود والغاز المنزلي والأدوية، إضافة إلى القصف والنزوح وتضرر الخدمات الصحية.
من يسيطر على تعز؟
تخضع المدينة لسيطرة القوات الحكومية، بينما يحاصرها الحوثيون من عدة اتجاهات.
هل يمكن التحقق من الأرقام المعلنة؟
كثير من الأرقام صادر عن أطراف النزاع أو جهات محلية، لذلك يُنصح بمتابعة بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية للحصول على تقديرات مستقلة.
